يفرض الرجال الخداع على النساء ويعاقبوهن لكونهن قد خدعن
ويدفعوا بهن إلى الحضيض ثم يعاقبوهن بسبب هذا السقوط المزري
نوال السعداوي
خالد التني
الخرطوم
” هناك حالات كثيرة مثل هذه ” قال ذلك بغيظ وهو يطلق نفثة الدخان من أنبوب الشيشة “… طوال هذه السنوات ظللت أهاجم من قبل أقربائي كي اتخذ لي زوجة سودانية الآن سقطت كل نصائحهم أرضاً كمثل ما يسقط على الأرض السعوط من فم قذر. كنت سعيداً في روسيا من قبل ….. هل تعلم أنني كنت الأول في حياتها وهل تعلم ماذا يعني أن تكون الأول في حياة خواجية ؟ ” ثم أعاد الأنبوب إلى فمه وهو يهز رأسه آخذاً أنفاساً طويلة ثارت وتبددت كفقاقيع.
أجاب قاسم مرتشفاً قهوته التركية ناظراً نحو النيل ” حسناً جداً يا صلاح هذا درس من الله كي تكون حكيماً عند اختيارك في المرة الثالثة“
ذات هذا الموضوع ظل محل التداول بينهما خلال الأيام الثلاثة الماضية ” أكون كاذباً لو قلت أنني لم اصدم, لقد وثقت بها لسنوات لكن هذا ما حدث , في الأسبوع الماضي هاتفني عمي سمير من هيوستن وكان شديد القلق لأن صديق ابنته جاء إلى الأجزخانة حيث يعمل سمير يطلب شراء أقراصاً لمنع الحمل , أهذه هي الحضارة ؟ وأقسم عمي انه عند نهاية العام سيعيد عائلته إلى البلاد , لكن في الحقيقة ما الفائدة ؟ فالنساء هنا لم يعدن كما كن في الماضي , لقد بدأن يقفن علي نواصي الشوارع متسترات خلف العباءات التي كانت في ديننا عنواناً للشرف فأصبحت الآن عدة الرياء , ألم تسمع بالطبيب الذي انتظرته بعيادته فتاة صبرت حتى أكمل عمل يومه ثم طلبت منه ببراة أن يوصلها حتى أقرب محطة للبص , وفي منتصف الطريق انقلبت عليه قائلة له ” اعطني كل ما جنيته اليوم من عملك و إلا سأصرخ الآن واجلب لك الفضيحة وستفقد موقعك وثروتك وأهم من ذلك سمعتك ” وصعق الدكتور ووافق على شروطها ثم انزلها من بعد ذلك عند اقرب نقطة , كذلك سمعت من أصدقاء كثيرين أن البنات صرن يصطففن عند شارع النيل ليلاً وهن على استعداد لابتذال أنفسهن لأجل المال أو حتى في سبيل وجبة بسيطة.
رد قاسم قائلاً ” إنها ليست المرأة الوحيدة في هذه الدنيا يا صلاح , وأنا متأكد من انك بما لك من وجاهة وعلاقات ستجد لك عروساً مناسبة وبسرعة إلى جانب انك لا تزال شاباً يا صديقي ” لكن صلاح أطرق ينظر إلى الحنّة على يديه متمنياً أن لو انمحت كمثل مد قرمزي يحمله على الغيظ.
مدني
” اخلعي هذه الأسورة ! انظري إلى عينيك هل تستطيعين التعرف على نفسك؟ لقد جلبت العار لبيتنا وللمرة الأولى منذ أن تزوجت والدك صار شديد الضعف و عجز عن الذهاب للمسجد لصلاة الجمعة , بأي وجه سيحضرها ؟ أبعتباره أباً ل ………… إنني لا أستطيع لفظها. كنت قد حدثته من قبل أن لو أرسلتها إلى الخرطوم فإنها ستعود مفسدة , لكنه تمسك بأفكاره الحديثة ! لقد عدت ا ليه بشهادة دراسية نعم لكنك أخفيت عنا وظيفتك ! سأبيع كل شيء سأبيع كل هذا ”
قالت ذلك وهي تركل برجلها حقيبة على أرض الحجرة وواصلت ” وسأبيعك أنت إن وجدت أسرةً تريد أن تحتفظ بك كخادمة , لكن كل النسوة اللائي اعرفهن يخفن الله وسيرفضن قبول امرأة مثلك تحت سقوف منازلهن . أو تظنين أنني لم ألاحظ …..طلاءات الأظافر كلها التي جلبتها للمنزل! وهل تعتقدين أنني كنت غبية عندما أحضرت ذلك الثري مدعيّة انه شقيق صديقتك ! لقد كان في الحقيقة قوادك ومن بعد أن اشتراك قذف بك إلى الشارع لأنه اكتشف أنك لا تستحقين أن يحتفظ بك. النسوة كلهن اللائي كن في زيارتي تهامسن عندما كنت اذهب كي احضر لهن شرابا وحلوى , كلهن كن يراقبنني ويدققن في أفعالي كي يعثرن على أثر من دنس …..وكن يصرحن في جلساتهن الخاصة قائلات أن ضرب البنت على فمها يجعلها تترعرع لتصير تماماً مثل أمها…. في عهدنا لم تكن البنات يتزوجن بحثاً عن ثراء أو طلباً للمسرة الشخصية لكن الزواج كان يمثل نصف الدين .أبعد كل تلك النصائح التي بذلتها لك في تلك الليلة من كلمات الأم الغالية لبنتها الوحيدة يوم كانت النسوة يسألن بإلحاح لرؤية صور الزفاف وكن يسألن عن التفاصيل و عن التكلفة وعن أسماء أقارب العريس , كان ذلك حديث مدني … كل ذلك لم يكن كافياً لك فقد كنت تتطلعين دوماً للأحسن ولم يكن هناك شيء ليملأ عينك … لكن الله ملأها الآن بتراب الفضيحة . ماذا سيقول شقيقك عندما يسمع في لندن بالخارج ؟ ألا يسوئه أن ابنه حسام يعيش مع عمة نجسة جديرة بالازدراء.
أغلق الباب بسرعة وصاحت الأم معبرة عن المفاجأة عند دخول اثنين من الجيران للمنزل في حين أن غادة لم تكن قد نهضت بعد من أرض الحجرة منذ أن أعيدت إلى المنزل. قابل أبواها القادمين بأكثر الأصوات مرحاً وفي ابتهاج ودهشة قال القادم لأبيها في الصالون بعناية ” لم يكن هناك دم !”
ولم تستطع الأم التي كانت تسترق السمع الوقوف على رجليها ….وأجاب الأب : ” لم أفهم ” رد الزوج قائلاً وهو يضغط على فكه : ” لم أكن الأول “
•
استيقظ صلاح على صوت هاتفه المحمول, فقد كان مستلقياً في الفيلا على السرير ذاته الذي كان مخصصاً كي يتقاسمه مع عروسه , الآن مضى أسبوع منذ ذاك الحين , مد صلاح رجله اليمنى لكنها كانت فاقدة الحس وعاطلة . فقال لنفسه ليس هذا وضع عريس كما أن هذا الذي يفعله بنفسه يضر الصحة. انه يحتاج الخروج للترويح عن نقسه ولربما قاد السيارة إلى شارع النيل كيما يرى بنفسه الفتيات اللائي أشيعت عنهن المطاوعة , وهو يملك المال والوسامة كما أن قدره ليس بأقل من غيره , وبسرعة خلع ملابسه وفتح ماء الدش فوقه . الليلة سيحاول نسيانها
•
سألت غادة مرةً عندما كانا منفردين لوحدهما في مطعم القولدن قيت ” كيف كان شكلها؟” اندفع السؤال من فمها كالشهاب يترك وراءه ذيلاً من هدوء قصير العمر . ” كانت حنونة بالنسبة لأجنبي كانت معتادة على غسل أرجلي كل ليلة وحلاقة لحيتي قبل الذهاب للدرس ” تناول رشفة من قارورة السفن أب وواصل الحديث ” تعلمين أنني أول رجل في حياتها ! هل تعلمين ماذا يعني أن تكون الأول في حياة خواجية ؟” ردت معاتبة ” يكفي ذلك هذه أسرار بيت كنت شريكاً فيه من الحرام كشفه بهذا الوضوح ” قال ” أعلم ذلك بالطبع وما كنت لأخبر من أريد الإقتران به بمثل عن هذه الأشياء “
” إذن كيف تنظر إليّ ؟ “
سألت وعلق السؤال على رأسها مثل شبكة من الفضة.
سألها وكانت العربة تتوغل في الشارع المتسخ خلف المشرحة : “هل يمثل الأمر لك شيئاً ؟ “
بكت بقية ذلك اليوم بين يدي نسرين رفيقة غرفتها.
كانت ترى في أحلامها أنها عادت إلى داخلية الجامعة تتبادل الحديث مع نسرين عن صلاح . ” إنه يتفهم تطلعاتي , انه يريد أن ينقذني منها. أعرف أ نها أمي وأن الله سيعاقبني لأني قلت ذلك لكنها تريدني أن أصبح بدينة قبيحة وأن أنجب الأطفال , وهي ترغب في أخذ صوري على تلك الهيئة كي تتمكن من القول لاحقاً ” انظروا إليها كم هي جميلة” بنفس الطريقة التي تقولها عن نفسها . لكني لا أستطيع يا نسرين لا أستطيع أن أعود للحياة معها, ولا يزعجني قط أنه كان متزوجاً من امرأة روسية قبلي, لقد أخبرني عن زواجهما حتى قبل أن اسأله عن ذلك, هذا يدل على أنه يخاف الله “
وقالت نسرين ” لكنه سيقضي بقية حياته الزوجية في المقارنة بينك وبينها ربما لا تتخيلي ذلك ولكنها طريقة الرجال في التفكير ثم أين ستذهبين إذا صحى في يوم من الأيام وقد أصابته نزوة في العودة إليها ؟ إنك لا تستحقين أن تكوني أبداً الخيار الثاني لأي أحد , هذا كل ما أردت قوله ” وتعانقتا ثم فجأة عادت مرة أخرى إلى داخل الفيلا البيضاء حيث منزلهما الجديد فإذا بهما يمشيان حافيان وهو يطري الحنّة على رجليها ثم يذهبان في قبلة طويلة ويقول ” لقد انتظرت طويلاً هذه اللحظة ثم ينقلب الصوت نفسه بعدها مرعداً يقول ” ماذا سأقول لأهلي ؟“
وأفاقت من النوم لاهثة وأمها تقف عند الباب تنظر إليها نظرة شر وتهز رأسها في خيبة أمل ثم تغلق الباب خلفها.
•
الطريق مزدحم بالسيارات وكانت أنوار شارع الجامعة ةضيء صفاً من الفتيات وقفن يلوحن عرضاً للسائقين. أوقف صلاح السيارة عند نهاية الطريق وبدا يراقب سيارات تتلوها سيارات رجال مسنين وطلاب جامعات والكل يرخي النوافذ المظللة ثم يسرع مبتعداً مخلفاً ورائه دخان العادم. بدا الأمر وكأنه لعبة سحرية , خمسة منهن اختفين لتبرز فجأةً فتيات أخريات إلى دائرة الضوء . ولأنه لم يكن يميز الوجوه قرر الاقتراب أكثر وعندما تحرك لمح صورة على مرآة السيارة وحين فتح النافذة سأل : ” هل تودين الركوب؟ ” فأجابت ” بالتأكيد ولم لا ؟ ” فسألها بطريقة خرقاء ” ما اسمك ؟ ” فأجابت ثم تساءلت وهي تنظر إليه بجرأة “أميرة وأنت؟” فأجابها كاذباً لكن بثقة ” أنا قاسم ” وسألته وهي تحدق بفضول في الحنّة على يديه “أين عروسك ؟ فأجاب بصعوبة ” ماتت قبل أسبوع ” وأضاف ” إنها الملا ريا” وغمغمت حذرة” أنا آسفة ” فقال مواصلاً بخبث ” ماذا تريدين بالضبط أن تفعلي هذه الليلة ؟” فأجابتأفضل شيء يعرف أي شخص انه يمكن أن يعرضه على امرأة
أدار صلاح جهاز التكييف وقاد العربة في اتجاه منزله وأوقفها باحتراس عند الجهة الخلفية وفتح الباب الخلفي فتقدمت بخطوها للداخل تحت الضوء الساطع للفيلا فبدت فجأة أكثر تألقاً من ذي قبل , فوضع يدها الشاحبة في يده فانثنت أصابعها هينةً في قبضته الخشنة ووضع فمه في فمها وهي ترتعد في النشوة .
•
قالت أمها وهي تهز ثوباً منزلياً مهترئاً من ثيابها ” وصلت عمتك داليا في زيارة اذهبي واغسلي وجهك والبسي هذا ” كان الثوب أكبر منها بدرجات لكن غادة عرفت مرامي أمها وهذا درس في انعدام القيمة , وسوف لن تكون لها بعد أشياء جميلة . وسمعت صوت عمتها الغليظ يسأل ” هل اعترفت لك ؟” وأجيبت “لقد اقسمت أنها بريئة في اليوم الذي قدمت فيه لكنها لم تتحدث منذ ذلك الوقت….” قاطعت داليا الحديث قائلة ” ما كل عروس تظهر دماً , هل أخضعت للفحص الطبي ؟” “انها ابنتي وعلى وجهها يظهر أنها تحمل خطيئة سر دفين “
جلست العمة داليا على الاريكة وهي تمرر يدهاعلى شعر حسام وقد مضت أيام منذ أن رأت غادة آخر مرة إبتسامته الجميلة كما لاحظت كذلك أنه يبحث عندها عن شيىء مفقود.
” السلام عليكم” خرجت الكلمات بالكاد من بين شفتيتها ومن حلقها صدر سعال عال وسألت العمة بفضول ” هل أكلت شيئا.ً“
” ما سأقول لأهلي ؟“
وملأت البقع الملونة وجه عمتها المتساءل وقد كان الظلام قد اسكتها مثلما يفعل مفتاح الكهرباء.
•
سألها ” هل أنت جائعة؟” وكانت قد ولجت الى غرفة الحمام وأجابت عبر الباب ” نعم” الآن سيخرج بصحبتها الى ( أمواج) ويشترى لها ساندوتشاً من شاورما الدجاج ومن ثم يطلق سراحها …
فتح الباب وخرجت وقد أصلحت حال مكياجها وتساءلت بحذر ” هل أنت مستعد ؟” “نعم فلنذهب ”
كان المطعم مكتظاً ، فأمر بساندويتشين وخرج ليرقب أبخرة المساء المختلطة مع الاصوات المرحة البهيجة المنهمكة في القيل والقال بين الضحك والروع .
وقالت معلقة بغنج “أنت الأول يا قاسم ممن أعرفهم من الذين تبدأ أسمائهم بحرف السين ” وكانت تعني سلسلة مفاتيح السيارة المتدلية وعليها حرف السين وواصلت فض طيات الساندويتش على حجرها وكانه كنز في حين أخذ صلاح قضمة من طعامه وقال لها ” إن حرف السين هو الأول من اسم عروسه المرحومة (سارية) فلتقر روحها في سلام ” ومضت تمضغ في بطء وتفادت النظر اليه . لكنه قال لها” انك لاتبدين ولا تتصرفين أبداً كغانية” وانزلقت الجملة من بين شفتيه بسهولة وقالت متمهلة تحسب كلماتها ” لربما بسبب أنني تعلمت المهنة متأخرة في حياتي ” وسألها دون خجل وبحب استطلاع ” فما الذي دفعك إذن لممارسة هذا النمط من الحياة ؟” فردت بهدوء ” انها بدرجة أكبر مسألة من الذي لا ما الذي ” وقالت بعد أن لعقت اصابعها ومسحتها بعناية بمناديل الورق ” لقد فعلها زوجي …. لقد زرع مرض الايدز في داخلي بعد أن جلبه من إحدى الفتيات التي قابلها عند حانة في أديس أببا , لقد جعلني أهب الحياة في الوقت الذي ألاحظ فيه أنني أفقد حياتي تدريجياً“
أحتبست اللقمة في مؤخرة حلقه وتوقف لحظة يبحث عن أي أثر للخداع في حديثها لكن فجأة لم تعد العيون التي كان يحدق فيها عيون أميرة التي تعرف عليها فقط فبل بضعة ساعات وإنما عيون غادة التي تبعد أميالاً وأميالاً عنه.
•
فتحت عيونها على صوت مفتاح يدار بعناية في القفل ثم سمعت صوت حسام المناشد وهو يجثو بجانب جسدها المنهار : “لقد كان لنا درس دين هذا اليوم وعلينا حفظ سورة الهمزة ” “انها السورة رقم ١٠٤ من القرآن وتحذر السورة الانسان من الافتراء على الآخرين ويصل عقاب النار الى قلوب وعقول الذين يرتكبون هذا الفعل ” وسأل حسام وهو يقدم لها المصحف ” الآن هل تساعديني في تسميع السورة ؟” وبدأ في التلاوة بطلاوة :
بسم الله الرحمن الرحيم
.١. ويل لكل همزة لمزة
٢. الذي جمع مالاً وعدده
٣. يحسب أن ماله أخلده
٤. كلا لينبذن في الحطمة
٥. وما أدراك ما الحطمة
وقال حسام بنعاس وهو يحك على مؤخرة رأسه ” نسيت الآية التالية“
فجاوبته مساعدة:
٦ نار الله الموقدة.
٧ التي تطّلع على الافئدة.
٨ إنها عليهم مؤصدة.
٩ في عمد ممددة.
وسأل حسام وقد طفرت الدموع من عينيه رغماً عنه.” غادة لماذا تبكين ؟“
•
في العام ٢٠٠٤ قدرت وزارة الصحة الاتحادية عدد الاشخاص المصابين بمرض الايدز في السودان ب
شخص٤١،٠٠٠







